ابن أبي العز الحنفي
340
شرح العقيدة الطحاوية
وقال أيضا صلى اللّه عليه وسلّم : « البذاذة من الإيمان » « 409 » . فإذا كان الإيمان أصلا له شعب متعددة ، وكل شعبة منها تسمى : إيمانا ، فالصلاة من الإيمان ، وكذلك الزكاة والصوم والحج ، والأعمال الباطنة ، كالحياء والتوكل والخشية من اللّه والإنابة إليه ، حتى تنتهي هذه الشعب إلى إماطة الأذى عن الطريق ، فإنه من شعب الإيمان . وهذه الشّعب ، منها ما يزول الإيمان بزوالها [ إجماعا ] ، كشعبة الشهادتين ، ومنها ما لا يزول بزوالها إجماعا ، كترك إماطة الأذى عن الطريق ، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتا عظيما ، منها ما يقرب من شعبة الشهادة ، ومنها ما يقرب من شعبة إماطة الأذى . وكما أن شعب الإيمان إيمان ، فكذا شعب الكفر كفر ، فالحكم بما أنزل اللّه - مثلا - من شعب الايمان ، والحكم بغير ما أنزل اللّه كفر . وقد قال صلى اللّه عليه وسلّم : « من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان » « 410 » . رواه مسلم . وفي لفظ : « ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل » . وروى الترمذي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من أحب للّه ، وأبغض للّه ، وأعطى للّه ، ومنع للّه - : فقد استكمل الإيمان » « 411 » . ومعناه - واللّه أعلم - أن الحب والبغض أصل حركة القلب ، وبذل المال ومنعه هو كمال ذلك ، فإن المال آخر المتعلقات بالنفس ، والبدن متوسط بين القلب والمال ، فمن كان أول أمره وآخره كله للّه ، كان اللّه إلهه في كل شيء ، فلم يكن فيه شيء من الشرك ، وهو إرادة غير اللّه وقصده ورجاؤه ، فيكون مستكملا الإيمان . إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على قوة الإيمان وضعفه بحسب العمل . وسيأتي في كلام الشيخ رحمه اللّه في شأن الصحابة رضي اللّه عنهم : وحبهم دين وإيمان وإحسان ، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان . فسمى حب الصحابة إيمانا ، وبغضهم كفرا .
--> ( 409 ) حسن . رواه أبو داود وابن ماجة والحاكم وأحمد والطبراني ، وهو مخرج في « الصحيحة » ( 341 ) . والمراد « البذاذة » التواضع في اللباس ، وترك التبجح به . ( 410 ) مسلم باللفظين ، وهو مخرج في « تخريج مشكلة الفقر » ( 66 ) و « صحيح أبي داود » ( 1034 ) . ( 411 ) صحيح . وهو مخرج في « تخريج المشكاة » ( 30 - 31 ) ، و « الصحيحة » ( 380 ) .